أخبار عالميّة خطة تهجير الفلسطينيين من غزة.. هل ستنفذ؟
في خضم التصعيد الإقليمي والتجاذبات السياسية، تبرز خطة تهجير الفلسطينيين من غزة كإحدى القضايا الأكثر إثارة للجدل. فبينما تروج إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرؤية تتضمن تحويل القطاع لريفيرا الشرق الأوسط، يرى محللون أن هذه الخطة لا تعدو كونها محاولة ستكلل بالفشل.
التداعيات المحتملة لهذه الخطة لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم، بل تمتد إلى دول الجوار التي تجد نفسها في موقف حرج بين رفض المشروع ومواجهة الضغوط. ومع تصاعد المعارضة داخل الولايات المتحدة نفسها، سواء من قبل أعضاء في الكونغرس أو شخصيات دينية بارزة، يبدو أن تنفيذ هذه الخطة يواجه عقبات معقدة. فهل ستُفرض هذه الرؤية بالقوة، أم أن التراجع الأمريكي الأخير في حدة التصريحات يوحي بتراجع عن الخطة التي أثارت الرأي العام الدولي؟
بإلقاء نظرة على الإعلام العبري، صحيفة هآرتس قالت إن " غزة لا تعاني من نقص في الفنادق الفاخرة. إن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست حلاً، بل هي تشتيت غير ضروري عن مشكلة حقيقية للغاية" في مقال بعنوان "ترامب يحقن مفهوم التطهير العرقي في عملية إعادة إعمار غزة الصعبة بالفعل". كما أضافت الصحيفة في منشور على منصة إكس عن المحلل السياسي حاييم ليڤنسون أن "قطر في الطريق لتُصبح سيدة الأمر في قطاع غزة، وحديث سموتريتش عن العودة إلى الحرب محض خيال".
في مقال للرأي للكاتب توماس فريدمان (أهم الصحفيين في نيويورك تايمز)، يرى أن خطة ترامب غير واقعية، وأن الرئيس الأمريكي يسعى من خلالها إلى إظهار عدم امتثاله للقانون الدولي وإبراز سلطاته القوية، لا سيما في ظل غياب أي معارضة داخل البيت الأبيض، حيث يحيط نفسه بمستشارين مقربين لا يعارضونه. كما يسعى ترامب، من خلال تصريحاته النارية المتكررة، إلى توجيه رسالة للصين مفادها أنه قادر على فرض سيطرته على الأراضي بمجرد قرار بسيط. ويعتبر محللون أن هذا الغياب التام للمعارضة داخل البيت الأبيض يشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية والدولية الحالية.
معارضة أمريكية داخلية وتراجع في حدة التصريحات
أعلن مئات النواب والحاخامات الأميركيين معارضتهم لخطة الرئيس دونالد ترامب لاستيلاء الولايات المتحدة على قطاع غزة وتهجير سكانه. وكشف موقع أكسيوس أن 143 نائبا ديمقراطيا وجهوا رسالة إلى ترامب طالبوه فيها بالتراجع عن تعليقاته بشأن سيطرة الولايات المتحدة على غزة.
كما وقَّع 350 حاخاما في الولايات المتحدة على إعلان نشروه على صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عارضوا فيه خطة ترامب. وجاء الإعلان المنشور، في صفحة كاملة بعنوان "ترامب يدعو إلى إبعاد جميع الفلسطينيين من غزة. الشعب اليهودي يقول لا للتطهير العرقي." يشير هذا الحراك في الداخل الأمريكي، إلى أن الخطة لا تحظى بتأييد واسع من خارج البيت الأبيض.
اعتبر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن الخطة الرئيس ترمب "هي الوحيدة المطروحة حالياً"، ولكنه رحّب بأي "خطة أفضل" تطرحها الدول العربية بعد اجتماعهم المرتقب في السعودية خلال أيام. جاء هذا التصريح خلال مقابلة مع بودكاست "Clay Travis and Buck Sexton Show"
أشار مقال نشره موقع المونيتور الإخباري إلى أن الرئيس ترامب "تراجع رسميًا" عن نيته منع المساعدات عن مصر والأردن، وذلك في إجابته عن سؤال أحد الصحفيين خلال المؤتمر الصحفي المفاجئ مع ملك الأردن. حيث قال: "ليس عليّ أن أهدد باستخدام المال... نحن نقدم المال لمصر والأردن، نحن نسهم بالكثير من المال للأردن ومصر... على كل حال، الكثير من المال للبلدين، ولكنني لست مضطرًا للتهديد به... أعتقد أننا أكبر من هذا." وأكدت صحيفة ذا إنترسبت أيضًا هذا التراجع. ويرى محللون أن هذا التحول في موقف ترمب يُحسب لدبلوماسية ملك الأردن، الذي نجح في إقناع ترمب بعدم استخدام ورقة قطع المساعدات كوسيلة ضغط، مما يعزز موقف مصر في معارضة الخطة.
الخطة ستفشل من منظور إسرائيلي
وفقا لصحيفة معاريف العبرية، تحدث رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق، اللواء (احتياط) جيورا إيلاند، على إذاعة 103FM العبرية، بشأن موقف إسرائيل من إمكانية العودة إلى القتال في قطاع غزة. وقال في كلمته الافتتاحية: "الصورة هي أن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في حرب غزة. يجب أن نبدأ من هناك، وإلا فإننا نخلق توقعات لأشياء غير واقعية. الهزيمة في حرب غزة، وفقًا لمعيارين ليسا سياسيين ولا شعبويين، بل مهنيين: الطريقة الأولى هي التحقق مِن مَن حقق أهدافه ومَن لم يحققها. الطريقة الثانية، الأكثر موضوعية، هي أي جانب نجح في فرض إرادته على الجانب الآخر". وأضاف "لا أسميها حماس، بل دولة غزة. انظروا إلى اتفاق الأسرى. فتحت إسرائيل معبر رفح، وعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشمال. وهذا لا يسمح فقط بدخول الغذاء والماء إلى غزة، بل ويدخل أيضا المعدات التي تشكل بداية إعادة الإعمار".
الأنظار موجهة لخطة إعادة الإعمار
أفادت صحيفة ذا إنترسبت بأن الضغوط التي يمارسها دونالد ترامب من خلال تصريحاته لم تؤتِ ثمارها مع مصر والأردن، وهو ما يتجلى في "التصعيد" المتزن الذي تقوم به مصر، مثل انتشار آليات عسكرية في منطقة رفح على الحدود مع إسرائيل، والاستنفار الشعبي والإعلامي الرافض للخطة، بالإضافة إلى إلغاء زيارة الرئيس السيسي لواشنطن. واستشهدت الصحيفة برأي لورا فريدمان، التي ترى أن مصر لن تقبل حتى مناقشة خطة كهذه، وأن جميع تهديدات الرئيس ترامب لم تحقق أي نتائج تُذكر مع الجانب المصري أو الأردني.
من جهتها كشفت قناة "العربي الجديد" عن تفاصيل خطة مصر لإعادة إعمار غزة، والتي سيتم مناقشتها في الرياض الأسبوع المقبل. وتتضمن الخطة عدة مراحل، تبدأ من رفح بإزالة الركام والأنقاض، بتمويل من الاتحاد الأوروبي ودول عربية والأمم المتحدة. وقد ركز الإعلام الإسرائيلي على هذه التسريبات، داعيًا إلى التعامل معها.
في سياق متصل، ذكرت قناة فوكس نيوز، المقربة جدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن الخطة المصرية استبعدت الدور الأمريكي في عملية إعادة إعمار غزة، سواء من الناحية الاقتصادية عبر إشراك شركات المقاولات الأمريكية، أو من الناحية السياسية، حيث لم تُمنح الولايات المتحدة أي صفة كمراقب أو ضامن في هذه العملية. ويُفهم من ذلك أن التركيز الآن بات منصبًا على دور الولايات المتحدة في خطة إعادة إعمار غزة، وليس على مسألة تهجير الفلسطينيين، مما يعكس تحولًا في أولويات النقاش الأمريكي حول القضية.
قمة الرياض المرتقبة في 20 فيفري المقبل، والمعروفة باسم القمة العربية الخماسية التي ستكون رئاسية، والتي تضم الإمارات، قطر، السعودية، مصر، والأردن، يُتوقع أن تكون نقطة انطلاق لاتخاذ قرارات مهمة قبيل قمة مصر في 27 فيفري.
ووفقًا لمحللين في الإعلام الأمريكي، هناك احتمال لعقد قمة عربية-أمريكية في الرياض بالتزامن مع القمة الخماسية، حيث ستتركز النقاشات - بعد الرفض العربي- على إعادة إعمار غزة وليس على خطة التهجير. كما يُنتظر أن يحضر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب إلى السعودية لإجراء مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول سبل إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا.
على ضوء ما تقدم، تتزايد التأكيدات على استحالة تطبيق خطة التهجير، سواء من الناحية اللوجستية أو السياسية. فعلى المستوى اللوجستي، تواجه الخطة عقبات ميدانية معقدة، بدءا من صعوبة تنفيذ عمليات نقل جماعي لمليوني شخص، وانتهاء بالرفض القاطع من الدول المجاورة لتحمل تبعات مثل هذا السيناريو، والذي سيتبلور في القمتين المرتقبتين (الرياض ومصر).
لم تعد المسألة تتعلق بإمكانية إقناع الأطراف المعنية بالخطة، بل بصعوبة فرضها على أرض الواقع، وهو ما يجعلها أقرب إلى ورقة ضغط تُستخدم في المفاوضات، أكثر من كونها خيارًا قابلاً للتنفيذ.
أ. ج